مقدمــة الكتاب

جرى العرف على أن يتقاضى الناس فيما بينهم، أو فيما بينهم وبين النظام على أمور مادية، أو على قضايا القذف والتشهير وما شابه، كما يحدث مع كتاب الصحف، لكن القضية التى يعرضها هذا الكتاب تكاد تنفرد، فلأول مرة يتقاضى أحد لمنع استمرار تزييف التاريخ!!.
النظام فيما مضى قد زيف التاريخ -عندما تعمد التعتيم على دور بطل الثورة ومنقذها القائمقام (يوسف منصور صديق)، وإلصاق الأباطيل بالرجل، بما نشر عن أحداث قيام الثورة، فتارة ينسب إليه زورا قيامة مبكرا عن موعد قيام الثورة بساعة، وتارة ثانية ينسب دوره ليلة 23 يوليو إلى غيره، وتارة ثالثة يهمش دوره فى اقتحام إدارة الجيش مدعيا اشتراك وحدة من الفرسان فى التمهيد لهذا الاقتحام باستيلائها على بوابة إدارة الجيش والقبض على الحراس ومصادرة سلاحهم ثم دعوة هذا البطل لمجرد الدخول واتمام الاقتحام والقبض على القادة!!. ويبدو هذا الأمر غريبا إذا عرفنا أن سلاح الفرسان فى ذلك الوقت لم يكن يبعد عن إدارة الجيش سوى عرض شارع الخليفة المأمون، وكانت مدرعاته ودباباته تستطيع قصف المبنى من معسكرها وإرسال قوة تحتل مبنى إدارة الجيش وتقبض على القادة!!.
وصحيح أن نفرا من الشرفاء قد نشر الحقائق عن هذا اليوم، لكن هذه الكتب صدرت بعد 1984 حيث كانت الأوهام والأباطيل، قد استقرت فى أذهان أكثر الناس.
وقد نرى مبررا لنشر هذه الأكاذيب فى عهد الرئيسين السابقين لمصر لاعتبارات تتعلق بالحكم وهيبة الحاكم، أو لمحاولة إضفاء نوع من البطولة على هذا النفر أو ذاك تتناسب مع ما تبوأه من مركز، كذلك فإنها تضع الجيش تحت انطباعات تخدم الأوضاع فى تلك الحقبة.
وعندما تولى الرئيس (محمد حسنى مبارك) المسئولية سقط الكثير من هذه الاعتبارات، فما المبرر إذاً لاستمرار تزييف التاريخ بإنكار دور يوسف صديق كعضو فى مجلس قيادة الثورة؟، ومن حقه الدستورى قبل التاريخى أن يكون له تمثال فى المتحف الحربى بالقلعة مع رفاقه!!.
رفضت أسرته استمرار الزيف، وأصرت على تصحيح التاريخ، وقد أشار بعض رموز ثورة يوليو إلى أن الحل يحتاج إلى قرار سياسى وأن طريق القضاء يكاد يكون مسدوداً!!. لكن هامش الحريات الذى أتاحه حكم الرئيس مبارك، والثقة فى عدالة القضاء المصرى دفع الأسرة إلى رفع دعوى قضائية ضد وزيرى الدفاع والثقافة مطالبين بوضع تمثال ليوسف صديق فى المتحف الحربى بالقلعة مع باقى الرفاق، وتصدى لهذه القضية الشائكة مناضل كبير ألف النضال من أجل الحرية والعدالة، وأمضى زهرة الشباب بين السجون والمعتقلات، وأرخ بشعرة وتغنى للحرية، وها هو اليوم يتصدى لتزييف التاريخ وهو الأستاذ (محمود توفيق).
وأزعم أن الموقف قد انقلب إلى ما يشبه الكوميديا السوداء عندما أنكرت هيئة قضايا الحكومة من الأساس كون (يوسف صديق) كان من الضباط الأحرار أو من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وبالتالى فليس هناك محل لرفع الدعوى واستندوا فى ذلك إلى عدم وجود وثائق تثبت هذا الأمر؟! وعلت الدهشة وجوه بعض موظفى المحكمة لقيام تلك الأسرة برفع قضية من أجل تمثال!!. ولم يكن نضال المحامى سهلا بطبيعة الحال وهو يواجه جهازا يملك كل الوثائق وينكر الاعتراف بالحق وهو فضيلة، ويصر على أن يصنع للزيف والكذب أقداما!! واستمرت الدعوى ست سنوات ووصلت إلى المحكمة الإدارية العليا التى حسمت الأمر، وقضت بأحقية يوسف صديق بطل ثورة يوليو ومنقذها أن يوضع تمثاله مع الرافق فى المتحف الحربى بالقلعة، وقد لبى السيد وزير الدفاع ونفذ أمر المحكمة!!.
وكاتبة هذا الكتاب السيدة (سهير صديق) هى الأبنة الكبرى للبطل يوسف صديق، فتحت قلبها للقارئ عندما سجلت أحداث تلك القضية بأسلوبها العفوى البسيط، وهى ترى تمثال أبيها فى المتحف، فكان ذلك الحوار الممتع الذى يرمز إلى أن البطل لم يمت ، وأن التاريخ قد صحح الوقائع بحكم القضاء النزيه، ولا يفوتنى أن أنوه بموقف ابن هذا البطل اللواء شرطة (حسين صديق) والذى رفعت القضية بأسمه نيابة عن العائلة، رغم حرج موقفه بحكم موقعه الوظيفى.
وقد أكد هذا الحكم ثلاثة أبعاد، الأول هو بعد تاريخى فقد صحح روايات التاريخ، والثانى هو بعد سياسى عندما استطاع القضاء أن يصحح موقفا سياسيا خاطئا بتجاهل الأبطال لحساب السلطة، وأن من يراهنون على التاريخ لا يخطئون، وأن النضال لا يجب أبداً أن يضع سلاحه، والثالث هو بعد قانونى يحسب لعهد الرئيس مبارك فقد أكد سيادة القانون، وأن العدالة تستطيع أن تصحح التاريخ، ما دام القضاء نزيها، كما أنه أعطى درسا بليغا فى المبارزة القانونية التى خاضها رجل القانون (محمود توفيق) ضد دعاة الزيف ومؤيديه من رجال القانون، تحية من القلب إلى القاضى النزيه، وإلى رافع القضية، وإلى مؤلفة الكتاب، وإلى المدافع عن الحق.
محمد توفيق الأزهرى
2002/5/4

قصة هذا الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الأول
قصة هذا الكتاب
لا أستطيع أن أصف شعورى عندما قام المثال الفنان (عمرو خميس) بإزالة الصبة عن تمثال أبى بالأتيلية الملحق بالمتحف الحربى بالقلعة.
فما أن ظهر التمثال فى صورته النهائية حتى زادت ضربات قلبى بحيث خلت أن كل من كان حولى فى الأتيليه يسمعها (يا سبحان الله)، فقد رأيت أبــى بعد فراق دام خمسة وعشرين عاما بقامته الفارعة، ورغم أنه تمثال نصفى، ورأسه المرفوع الشامخ وملامحه المصرية الجميلة، بملابسة العسكرية التى قام بها بالدور الرئيسى فى ليلة 23 يوليو عام 1952، حتى كدت أن أسمعه يتكلم الى وأغرورقت عيناى بالدموع، وتخيلت الحديث الذى يمكن أن يدور بيننا، ماذا لو دبت الحياة فى هذا التمثال؟ (أن الله قادر على ذلك سبحانة وتعالى) ماذا سيكون حوارى مع أبـى؟.
تصورت نفسى وأنا أحتضنه فى شوق، فقد افتقدته لسنين طويلة وهو ينظر الى باستغراب ويسألنى عن هذا المكان الموجود فيه فأخبره: إنه المتحف الحربى بالقلعة.
فيقــول: وماذا أتى بى الى هذا المتحف؟
أقــول: لقد تم عمل تمثال لك فى هذا المتحف مع زملائك أعضاء مجلس قيادة الثورة.
فيسأل بأستغراب وتهكم: بعد خمسة وعشرون عاماً من وفاتى، يتقرر عمل هذا التمثال هل الأمر يحتاج كل هذا الوقت؟
قلت له: هذه قصة طويلة سأقصها عليك، فقد بدأت القصة من حوالى ست سنوات، عندما قامت الأسرة بزيارة المتحف الحربى بالقلعة الذى يحكى تاريخ مصر العسكرى، وشاهدنا قاعة حرب فلسطين سنة 1948 والمعارك التى خاضها جنودنا البواسل وصورتك مع أبطال هذه الحرب ثم قاعة العدوان الثلاثى سنة 1956 وصور الاستبسال الذى قام به شعبنا وأيضاً قاعة حرب أكتوبر المجيدة سنة 1973 التى ردت إلينا كرامتنا (بعد هزيمة يونية سنة 1967) بالانتصارات العظيمة وتحطيم خط برليف المنيع، كذلك تحطيم أسطورة جيش إسرائيل الذى لا يقهر.
وأخيراً قاعة 23 يوليو، هذه الليلة التى قمت فيها بالدور الرئيسى لإنجاح تلك الثورة، وكنت الشرارة الأولى التى اندفعت منها، وفى هذه القاعة صورتك وأنت تقبض على قادة جيش الملك فاروق، كذلك توجد خرطية بالحجم الكبير للخطة الفعالة والحاسمة التى رسمتها فى دقائق معدودة للاستيلاء على (إدارة الجيش) والقبض على قادته - بعد أن علم الملك فاروق بأمر الثورة - ورغم قلة إمكانياتك ورغم حالتك الصحية السيئة ورغم قصر الوقت الذى يجب أن يتم فيه هذا العمل الكبير الذى يحتاج الى شجاعة منقطعة النظير وجسارة فرسان العصور الوسطى فقد نجحت بفضل رعاية الله عز وجل، فقد كان سبحانة وتعالى معك فى هذه الليلة التى قضيتها فى رعايته، وكنت فى طاعته ورضاه.
ولكننا لاحظنا عدم وجود تمثال لك مع زملائك أعضاء مجلس قيادة الثورة فى القاعة المخصصة لذلك.
فقال أبـى بتعجب: هل يعقل أن يكرمنى رئيس الجمهورية (أنــور السـادات) ويأمر بتشييع جنازتى عسكرياً ويحمل جثمانى على عربة مدفع تجرها الخيول ويلف النعش بعلم الثورة وتضرب المدفعية 21 طلقة تحية مع عزف اللحن الجنائزى (نوبة رجوع) وتكون جنازة رسمية وشعبية حضرها عدد كبير من أبناء شعبنا العظيم، ويكتب فى جميع الصحف والمجلات عن دورى البطولى ليلة 23 يوليو سنة 1952 وموقفى من قضية الديمقراطية وما لقيته من ظلم واضطهاد، فقد كرمتنى الدولة فى شخص الرئيس (أنــور الســادات) وكرمنى الشعب من خلال أقلام الكتاب الشرفاء المخلصين لهذا البلد.
أفبعد كل هذا ينكرنى المتحف الحربى؟ بل ينكرنى من هو مسئول عن إقامة هذه القاعة سواء من العسكريين الذين كنت واحدا منهم وخضت معهم أشرف المعارك وأكثرها بطولة أو من المدنيين المثقفين الذين لا يستطيعون أن يغفلوا دورى الذى أديته بكل أمانه وشرف؟ هذا شئ لا يصدقه عقل.
فقلت لأبـى: هذا مع الأسف الشديد ما حدث؟ مما أضطرنا الى رفع دعوى قضائية لإقامة هذا التمثال!.
سألنى والدى: من الذى تولى هذه القضية أو هذه القضايا التى استمرت كل هذه السنين؟.
أجبته: أنت تعرفه جيداً، إنه أبن خالك العزيز (محمود توفيق) الذى أحببته طفلا وشابا وناضجاً، كما أحبك والده الشاعر (محمد توفيق) طفلا وشابا وجمع بين ثلاثتكم (أنت وخالك وأبنه) حب الوطن والأدب والشعر، وأن لسان الحال الواحد قد ألف بين قلبيكما فى هذه الحياة، فقد تشأتما يتيمين، هكذا أحببت أبن الخال العزيز ورشحته للزواج منى ولا أنسى خطابك له وأنت تعمل بالسودان وترسله بنتظام سنة 1950 فتقول له: "إن سهير قد أحببتك لأنها وجدتنى أحبك -وهى تحبنى- وأرجو أن لا أكون قد حاولت إنقاذك من سعير الظنون لألقى بك فى أتون الغيرة بذكر هذه الحقيقة".
كما قلت لوالدى: أننى لا أنسى يوم 1948/5/15 حيث كنت من القوات العسكرية المصرية التى كانت أول قوات تدخل فلسطين، وذهبت أنا الى محطة مصر لأودعك، بكيت والقطار يتحرك لينقلك أنت ورفاقك الضباط والجنود البواسل الى أرض المعركة، وأنتم تلوحون لعائلاتكم بعلامات النصر المرتقب وبوجوهكم المتفائلة وأرواحكم المعنوية العالية، بكيت بشدة ولكن خطيبى (فى ذلك الوقت) كان بجانبى يحتضننى لك الحب والحنان ليخفف عنى قسوة الفراق والخوف من المجهول فى هذه الحرب التى كانت تثار حولها الشكوك والاتهامات وسوء العاقبة، فرغم أننى كنت فى الثالثة عشر من عمرى إلا أننى كنت أدرس فى شهادة الإبتدائية (فى ذلك الوقت) قصيدة شعر عن فلسطين يقول مطلعها:
قسما بترابك والدم المسفــــوك
لن يستذل دم العروبة فيـــــك
يافخر أوطـــــــان العروبة كم فتى
يهفو ليشطر رأس من شطروك

وكان أبى يشرح لى هذه القصيدة وفيها يشرح القضية الفلسطينية ابتداء من وعد بلفور ومساندة الغرب المستعمر لإقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، والصراع المرتقب بين العرب والغرب لإقامة هذه الدولة، والمؤامرات التى تحاك من الملوك العرب وخطورة الموقف بالنسبة للجيوش والشعوب العربية.
وقلت لأبى: أظنك لا تنسى أن (أبن الخال العزيز) قد صاحبك ليلة 23 يوليو سنة 1952 عشية قيام الثورة وكنت تنزف دما من صدرك المريض حيث أخذك الى الدكتور الذى كان يعالجك من هذا النزيف والذى كنت تخشى أن يعاودك ليلا أثناء قضائك الليل بالمعسكر حيث أخبرته بأن الضباط الأحرار (الذى كان يعلم بانضمامك اليهم من قبل) قد قرروا القيام بحركتهم فى هذه الليلة وأنك ستشترك فيها وتمنى لك التوفيق وودعك.
أجاب الوالد: نعم لا أنسى هذه الليلة من حياتى فقد أطلقت عليها فى مذكراتى (ليلة عمرى)! كما لا أنسى أنه بعد خلافاتى مع زملائى أعضاء مجلس قيادة الثورة (بعد نجاحها) أننى ذهبت لزيارتك بعد أن تزوجت (ابن الخال العزيز) فى قريتنا زاوية المصلوب، حيث كنتما تعيشان فى بداية حياتكما الزوجية وقبل أن أسافر إلى أسوان لبعض الوقت لتخفيف حدة الخلاف بينى وبين زملائى، وأذكر أنك حضرت إلى أسوان يوم 1953/1/16 وأخبرتنى بأنه تم القبض على زوجك فجرا بعد سفرى مباشرة إلى أسوان حيث تم نقله بالمدمرة (إبراهيم) من السويس الى معتقل الطور وهذه المدمرة قد أسرها اليهود بعد ذلك فى العدوان الثلاثى على مصر سنة 1956 واستولوا عليها وسموها (إيلات) وهى التى أغرقتها البحرية المصرية بعد هزيمة 1967.
واستطردت قائلة: لعلك أيضاً تتذكر أنه بعد أن عدت سراً من المنفى فى سويسرا ولبنان فى أغسطس سنة 1953 وبعد أن رفض طلبك أكثر من مرة بالعودة الى وطنك حيث وصلت الى بلدتنا وتم تحديد إقامتك بها وقام بزيارتك بعض الأحرار سراً فى بيتنا، تلك اللقاءات التى ساعدت على فكرة تكوين الجبهة الوطنية لمواجهة الحكم الدكتاتورى وإسقاطه.
قال أبى: أذكر أيضاً أننى كنت ولى أمره وهو مازال طالبا بالمدرسة الثانوية وكان يقيم معى أحياناً وتعرض لمرض (الحصبة) وهو فى التوجيهية (الثانوية العامة الآن) وكان على أبواب امتحانات آخر العام، كان يرقد فى فراش المرض فى غرفة مظلمة حسب تعليمات الطبيب، وكنت أجلس أنا خارج الغرفة وأقرأ له لساعات طويلة المنهج من كتبه المدرسية وهو يستمع الى من داخل غرفته، وبحمد الله تم نجاحه فى هذا العام والتحق بكلية الحقوق.
قلت لأبى: لعلك تذكر أيضاً عندما قبض عليك عقب أحداث مارس من سنة 1954 ووضعت بالسجن الحربى وكنت أزورك ومعى طفلتى ليلى وكانت فى الثانية من عمرها كما كان معى وليدى (يوسف صديق) لتراه لأول مرة بعد أن جاء الى هذه الدنيا ليجد والده وجده فى السجن حيث كتبت قصيدة (استقبال الصديق) على ورقة كراس بخط يدك  لازلت أحتفظ بها، وكان والده (ابن الخال العزيز) محبوساً فى سجن القناطر ليحاكم فى إحدى القضايا الشيوعية وكانت القضية تنظر أمام محكمة عسكرية شهيرة يرأسها الدجوى حيث حكم عليه فيها بالأشغال الشاقة ثمان سنوات، حيث تم ترحيله الى معتقل سجن الواحات الخارجة بالصحراء ليقضى العقوبة هناك، وكنت دائما تشجعنى وتطلب منى الصبر وتعطينى الأمل فى أن الأمور لا يمكن أن تستمر على هذا الحال ولابد أن تتغير لأن هذا الحكم هو فى المرتبة الاولى حكم سياسى وليس جنائى.
وعندما أفرج عنك بعد ذلك وبدأت بعض العلاقات مع الرئيس جمال عبد الناصر، طلبت منه أن يفرج عن (أبن الخال العزيز) فكان رأى الرئيس إنه إذا أفرج عنه فسيتم القبض عليه ثانيا (ويبدو أنه كان يعد لحملة اعتقالات واسعة للشيوعيين) وكان هذا فى عام 1956 ولكنه اكتفى بنقله من سجن الواحات الخارجة الى سجن مصر بالقلعة مع تسهيل زيارته زيارة  خاصة كل أسبوع.
قال أبى: نعم أذكر أننى قمت بزيارة معك عدة مرات رأيت فيها عددا كبيرا من الشباب المعتقلين الذين يقضون أجمل سنوات شبابهم وراء القضبان ليس لشئ إلا اختلاف الرأى، لم يهدأ لى بال إلا بعد أن قابلت الرئيس جمال عبد الناصر وكررت له طلبى بالإفراج عنه خاصة أنه كان قضى خمس أعوام كاملة فى السجن، واستجاب الرئيس هذه المرة وفعلا تم الإفراج عنه فى آخر عام 1959.
وقال أبى: نعم أذكر كل هذه الأحداث ولكن خبرينى عن هذه القضية أو أعجب القضايا (قضية التمثال).
قلت: هذا هو موضوع الكتاب الذى قررت أن أسجل فيه وقائع هذه القضية والذى أخذ (أبن الخال العزيز) على عاتقه مسلسل الإجراءات القانونية أمام القضاء باعتباره (المحامى بالنقض) هذا المسلسل الذى دام حوالى 6 سنوات شاهدت فيه قاعات المحاكم المختلفة العديد من المرافعات والمذكرات السياسية والمستندات التاريخية والإصرار على إثبات الدور التاريخى والبطولى الذى قمت به يا والدى ليلة 23 يوليو سنة 1952 وانضمامك الى أعضاء مجلس قيادة الثورة، كما أصر (أبن الخال العزيز) فى هذه القضايا المتعددة والتى امتدت كل هذه السنين، أن يواجه أغرب ما يمكن للعقل أن يتصوره، وهو التناقض بين الأوراق والواقع الفعلى، وسأبدأ القص من البداية.
اجتمعت الأسرة وناقشت هذا الوضع الغريب من نوعه خصوصا وأنه قد مرت سنوات وسنوات من التعمد فى التعتيم على الدور البطولى الذى قمت به ليلة 23 يوليو سنة 1952، وانضمامك بعد ذلك الى أعضاء مجلس قيادة الثورة، بل ونسبة هذا الدور التاريخى لغيرك من الناس ظلما وبهتانا وأتفق الرأى على أن نبدأ بتقديم تظلم للجهات المعنية والمسئولة عن هذه القاعة بالمتحف الحربى، كما أن الأمل كان يراودنا فى أن تستجيب هذه الجهات لهذا التظلم فتقوم بتصحيح الخطأ الذى وقعت فيه وذلك بإقامة التمثال.
وأتفق الرأى على أن تتم مباشرة الإجراءات القانونية والقضائية بأسم واحد من أبنائك وهو شقيقى (اللواء حسين صديق) فى تقديم هذا التظلم والذى سيحسم بعد ستون يوما من تاريخ ارساله، وبالفعل قمنا بكتابة التظلم وإرساله، وكان أملنا بأن هذه الجهات لا يمكن أن تخذلنا فى حق لوالدنا عليها بل وعلى وطننا العزيز وعلى تاريخه الذى لا ينكره إلا جاحد أو مغرض وارسل التظلم بتاريخ 1995/6/25 الى:
1- السيد المشير محمد حسين طنطاوى وزير الدفاع والإنتاج الحربى.
2- السيد الأستاذ/ فاروق حسنى وزير الثقافة
باعتبار أن المتحف تابع لوزارة الدفاع التى يرأسها السيد المتظلم ضده الأول والذى تم إنشاؤه بمعرفة تلك الوزارة وبمشاركة من الأجهزة الفنية المختصة بوزارة الثقافة التى يرأسها السيد المتظلم ضده الثانى، وقد تضمن هذا التظلم شرح الأخطاء التى وقع فيها القائمون على هذا المتحف فى حقك يا والدى، مع التذكير بالدور الذى قمت به لنجاح الثورة، وخيبة الأمل والأحباط الذى لحق بالأسرة من جراء إغفال هذا الدور الذى يعد استمرارا لما لقيته من ظلم فى حياتك.
فضلا عن مجافاته للحقائق التاريخية، وطالبنا بتصحيح هذا الخطأ بإصدار قرار بإعداد تمثال لك ووضعه مع تماثيل زملائك أعضاء مجلس قيادة الثورة بالقاعة المخصصة لذلك بالمتحف الحربى.
وسألنى والدى: هل استجابت تلك الجهات الى هذا التظلم؟
فأجبت: للأسف مضت المهلة القانونية التى تبيح لنا انتهاج الطريق القضائى لإلزام هذه الجهات بالقيام بعمل التمثال.
فسألنى والدى: ماذا فعل (أبن الخال العزيز) فى هذا الموقف الغريب؟
أجبته على سؤاله بعد أن استسمحته لأتركه لكى أقص هذه المعركة القانونية بمناقشة إمكانيه إقامة دعوى قضائية، وكانت الآراء مختلفة حول صعوبة إقامة هذه الدعوى وعن مدى نجاحها لغرابة حالتها وتداولها فى أورقه المحاكم، وكان رأى كثير من الناس أنها لن تجدى ولن تحقق لنا هدفنا، لعدم إمكانية الحصول على أى مستندات حكومية خاصة وأننى قمت بزيارة (سلاح المشاة) بالقوات المسلحة والذى كان ينتمى إليه للحصول على بعض البيانات من الملف الخاص بك وكم كانت دهشتى عندما وجدت غلاف الملف الخاص به مكتوب عليه إسم (يوسف منصور صديق) ولا يوجد أى ورقة داخل الغلاف.. ولا ورقة.. ما هذا التهريج؟ هل هذا معقول؟ سلاح المشاة ليس عنده أى مستند ولا أى معلومة ولا كلمة واحدة عن واحد من أشجع رجاله والذى خاض حرب فلسطين ببسالة والذى قام بالدور الرئيسى ليلة 23 يوليو والذى عين عضواً بمجلس قيادة الثورة بعد نجاحها هلى يمكن لأحد أن يتصور هذا؟
ولكن قد أتضح لنا أن القضاء العادل هو الحصن المنيع وهو الحل الوحيد لتحقيق أمنيتنا، هذا القضاء الشامخ الواعى نصير الحق الذى أعطانا حقنا بعد أن نجحنا فى تحويل القضية من قضية تتداول فى المحاكم الى قضية رأى عام وصراع مستمر على المستوى السياسى والصحفى والإعلامى وعلى المستوى الوطنى، وقد أخذ الأستاذ محمود توفيق على عاتقه المهمة الصعبة التى تواجه القيام برفع دعوى قضائية بما يستلزم البحق المضنى والتنقيب على الأسنيد التاريخية والوثائق وآراء المؤرخين العسكريين والمدنيين وما كتب فى الصحف والمجلات والكتب التاريخية فكانت القضية بمثابة بحث سياسى وتاريخى وثقافى يغلف بالأشكال القانونية التى تبيح تداوله بالمحاكم المختلفة.
ومما أثلج قلوب الأسرة ما قام به العديد من الصحفيين والكتاب الشرفاء فى الوقوف بجانبنا، بنشر الكثير من المقالات التى تستنكر عدم قيام المسئولين فى الدولة بإقامة هذا التمثال بما ينطوى عليه ذلك من إنكار لدور من أهم الأدوار البطولية التى قام بها الفارس الغائب يوسف صديق الذى حمله روحه على كفه وأطلقالرصاصات الوحيدة التى أطلقة فى ليلة 23 يوليو سنة 1952، وكان يحمل يقينا بتحقيق حلمه بوطن أكثر جمالاً وإنسانية وعدلاً وحرية لهذا الجيل وللأجيال التى لم تولد بعد.
وتساءل البعض عن خطورة تزييف التاريخ وحق الوطن الضائع نتيجة هذا التزييف، وما ينتج عنه مما يخص هذا الجيل والأجيال القادمة التى يشكل لتاريخ وجدانها، وحائط الدفاع الأول والأقوى ضد أى تدمير أو خراب قد يصيبها ضد فقدان الذاكرة والهوية، إذ أن الأبطال هم صناع التاريخ والعقل والهوية والوجدان، وتعتبر جريمة بكل المقاييس إسقاطهم بدون قصد أو بقصد، وقد تصور البعض أن فى هذه الأيام، لا توجد مصالح ذاتيه أو أهواء سياسية أو صراعات لا مبدئية تبرر تجاهل يوسف صديق وحذف دوره من التاريخ،وإنما ما حدث هو خطأ غير مقصود وربما من قبيل السهو، وأن الظروف السابقة لم سمح بتركيز الأضواء على دور هذا الرجل الشجاع الذى أسهم بالفعل فى تغيير مجرى التاريخ، رغم أن دوره الفاصل فى ثورة يوليو حقيقة لا تحتاج الى إثبات، فقد أثبتها التاريخ والمؤرخون ورفاق كفاحة وشهود عصره والباحثون عن كنوز الوطن من الأجيال التى لم تره.
هذا وطالب العديد من الكتاب السيد الرئيس مبارك والمشير القائد العام للقوات المسلحة والسيد وزير الثقافة بأن يأمروا بضم تمثال يوسف صديق الى مجموعة مجلس الثورة فى المتحف الحربى متسائلين عن من يمكن أن يرد جزءا مما قدم يوسف صديق، علما بأنه لم يكن ينتظر جزاءً، ومن المؤكد ان عدم وجود تمثال له فى المتحف الحربى اعتداء عليه وعلى الشعب أيضاً، فمن الحف أن يعرف من هم صناع تاريخ هذا الوطن ومن هم فرسانه.
إن مساندة الصحفيين والكتاب الأحرار لنا فى مختلف مراحل هذه القضية كانت أكبر عون لنا ومشجع على الأستمرار فى خوض هذه المعركة.
وفضلاً عن هذا فقد أحاطت الدعوى بجو من الأهتمام الجماهيرى الذى كان له دون شك أثر ملموس فى اهتمام الجهات القضائية التى نظرت هذه الدعوى فى مختلف مراحلها مما ساعد على إفشال مؤامرة التعتيم وطمس الحقائق التى لجأت إليها للأسف جهات الإدارة المختصة وكذلك هيئة قضايا الدولة التى دافعت بالباطل عن موقف جهات الإدارة المذكورة.
وفى مختلف مراحل القضية لم ينقطع هذا المدد من التشجيع والتأييد من جانب الصحفيين والكتاب الأحرار.
ولذلك فلقد حرصت على أن أورد نماذج من هذه الكتابات فى مواضعها من الكتاب باعتبارها جزءا أساسيا من وثائق هذه الدعوى هذا بالإضافة إلى أننا قد أفدنا كثيراً من هذه الكتابات، إذ قدمنا العديد والعديد منها ضمن حوافظ المستندات المقدمة إلى المحكمة باعتبارها وثائق ومستندات مهمة تؤيد دعوانا وذلك على ما يتضح من الصور المنشورة فى هذا الكتاب.
وعلى عكس الموقف المشرف للصحافة والكتاب الأحرار، كان مما يؤسف له ما عمدت إليه جهات الإدارة وهيئة قضايا الدولة الممثلة لها فى هذه الدعوى من أفكار وطمس للحقائق فى سبيل التوصل إلى حكم ضدنا فى هذه القضية على خلاف الحق والعدل الى درجة التزييف وإنكار الحقائق مما كنا وما زلنا نعتقد أن أى جهة قانونقة أو قضائية لا تسمح لنفسها باللجوء إليه، وأوضح دليل على ذلك ما ذهبت إليه هيئة قضايا الدولة فى معرض دفاعها عن جهة الإدارة من القول (أنه قد ثبت لهيئة قضايا الدولة من واقع الأدلة والمستندات التى أشارت إليها فى تقرير الطعن أن يوسف صديق لم يكن قط عضواً بمجلس قيادة الثورة بل إنه لم يكن من الضباط الأحرار أصلاً! وإنه حتى ولو كان عضواً بمجلس قيادة الثورة وبتنظيم الضباط الأحرار، فإن من حق الدولة أن تلغى عنه هذه الصفة ويعتبر ذلك من جانبها عملا من أعمال السيادة التى يمتنع على مجلس الدولة أن يراجعها فيها).
هذا وأثار هذا الإدعاء الغريب ردود أفعال شديدة فى الصحف والمجلات المصرية بعد أن نشرت جريدة الأهرام الصادرة بتاريخ 24 أغسطس سنة 1999 رسالة من أبنته سهير يوسف صديق كاتبة هذه السطور تورد فيها تفاصيل هذا الإدعاء، مما دعا بعض الكتاب وأيضاً بعض القراء إلى إرسال مقالات بالصحف تطالبنى فيه بالصبر الجميل، ففى عدد الأهرام الصادر فى 8 سبتمبر سنة 1999 كتب الأستاذ/ رفعت يونان مقالا يستنكر فيه هذا الإدعاء وأختتم المقال بهذه الفقرة (أقول للإبنة البارة -صبراً جميلاً- فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً وأن كنوز العالم كله وتماثيله لا تساوى شيئاً أمام ما قدمه الوالد البطل لوطنه).
وفى رسالة أخرى الى بريد جريدة الأهرام كتب أحد القراء -صيدلى محمد هاشم حبيب- من الإسكندرية بعنوان (ولماذا المراوغة) أختتمه بهذه الفقرة (تم التعتيم على دور الرجل فى حياته حتى إنه استبعد من قائمة أعضاء مجلس قيادة الثورة، وذهب الرجل إلى لقاء ربه وأقام ورثته دعوى قضائى لمساواته بزملائه بإقامة تمثال له بالمتحف الحربى الذى يضم تماثيل نصفية لأاعضاء مجلس قيادة الثورة وإجابتهم المحكمة لما طلبوا واستشكلت وزارة الثقافة فى الحكم بقصد تعطيلة كما يفعل المحامى المشاغب لكسب بعض الوقت، وإنهاك الخصم، وإننى أتساءل لمصلحة من ذلك؟ ولماذا هذا اللدد فى الخصومة مع إنسان بين يدى ربه؟ وهل ستختل ميزانية الدولة من جراء إقامة هذا التمثال؟
وفى مقال بجريدة الجمهورية بتاريخ 14 سبتمبر سنة 1999 تحت عنوان (خاطر) استنكر المقال موقف وزارة الثقافة التى كان من المتوقع أن تكون أول من يبادر بتنفيذ حكم محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة بإلزامها بإقامة تمثال للمرحوم يوسف صديق فى القاعة المخصصة لذلك بالمتحف الحربى، وقد أعتبر البعض أن صدور هذا الحكم مسك الختام لقضية شغلت الرأى العام، وتصحيحاً لظلم فادح وقع على يوسف حياً وميتاً وكان التقدير أن وزارة الثقافة ستكون أول من يبادر بتنفيذ الحكم خاصة وأن يوسف صديق لم يكن مجرد ثائر لعب دوره الكبير فى ثورة يوليو، بل أنه أيضاً شاعر وأديب وله إسهاماته المعروفه فى هذه المجالات".
وفى جريدة الأهالى الصادرة فى 25 أغسطس سنة 1999 تحت عنوان (هل من قرار ينصف يوسف صديق؟) استلهته بهذه الفقرة (صدق أو لا تصدق: هكذا أصبح يوسف صديق بلا تاريخ وبلا أى دور فى الحياة بفضل تخريفات (هيئة قضايا الدولة) ومن حقنا أن نتساءل: من الذى يقبل على ضميره أن يقول عن يوسف صديق: أنه لم يكن أصلاً من الضباط الأحرار! وكيف يخطر على البال مجرد التفكير فى نفى هذه الصفة عنه؟!
لقد أثارت الأسباب التى أستند إليها الطعن، حالة من الأستغراب والدهشة بين أساتذة التاريخ وزملاء يوسف صديق من الضباط الأحرار، كما أثارت دهشة الملايين من المصريين الذين يعرفون الدور الرائد للبطل يوسف صديق من أجل نجاح ثورة يوليو، وقد قالت ابنته سهير يوسف صديق فى رسالة الى الأهالى: (كنا نعتقد أن الحكم التاريخى بإقامة تمثال لوالدى يمثل مسك الختام لقصة الظلم الفادح الذى وقع عليه حياً وميتاً، غير أننا فوجئنا بهذا الطعن، وأضافت أننا نثق فى القضاء المصرى العادل ونثق فى أصحاب الأقلام الشريفة الملتزمين دوما بنصرة الحق والحقيقة).
وفى جريدة الجمهورية (العددين بتاريخ 2، 3 يناير سنة 2001) تحت عنوان (خواطر مؤرخ) كتب الأستاذ عبد العظيم رمضان متسائلا (هل يمكن لأى حكم قضائى إلغاء التاريخ؟ ومع ذلك فمن غرائب تاريخ بلدنا هذه الثورة، أنه لا يوجد تمثال ليوسف صديق فى القاعة المخصصة لذلك بالمتحف الحربى بالقلعة، بل من أكبر الغرائب أنه لا يوجد فى مستندات ووثائق ثورة يوليو ما يثبت أن يوسف صديق كان عضوا بمجلس قيادة الثورة أو أنه كان من الضباط الأحرار أصلاً.
هذا الكلام لم يصدر عن عدو يوسف صديق أو جهة كانت تخاصمه وإنما صدر عن هيئة قضايا الدولة، وهى هيئة محايدة بالضرورة ولا مصلحة لها فى غمط حق يوسف صديق، بل إنها قضت نائبة عن الحكومة بإلغاء تاريخ يوسف صديق ومسحت دوره فى الاشتراك فى ثورة يوليو وفضله على الثورة الذى لولاه لما نجحت الثورة بأستيكة وقضت على المؤرخين الذى يكتبون ثورة يوليو أن يغمضوا أعينهم عن دور يوسف صديق فى ثورة يولو وفى نجاحها، حيث لا يثبت ذلك من واقع الأدلة والمستندات، بل أنه حتى لو ثبت له هذه الصفات، فمن حق الدولة أن تلغيها، ألسنا نواجه فى هذه القضية أغرب ما يمكن للعقل أن يتصوره، وهو التناقض بين الأوراق والواقع الفعلى؟ وألسنا نجد أنفسنا أمام قضية من مثل وأن الشمس لا تشرق من الشرق، وإنه حتى لو ثبت أنها تشرق من الشرق، فإنه من حق الدولة إلغاء هذه الصفة عن الشمس؟.
وتعليقاً على هذا الإدعاء كتب الصحفى محمود حامد فى جريدة الأهالى بتاريخ 25 أغسطس سنة 1999 (أن التاريخ يعلم أنه لولا ور يوسف صديق لكان الفشل مصير الثورة، هكذا شهد الجميع منزملائه أعضاء مجلس قيادة الثورة، أما القول بأن الدولة من حقها إلغاء أى صفة عن حاملها فهو مردود عليه بأن ذلك لا يتم إلا بحكم قضائى، أما أن يصبح هكذا فقد يخرج علينا آخرون ليقولوا (الدولة ترى أن السادات لم يكن رئيساً لمصر) ويخرج علينا آخرون ليقولوا: أن الدولة قررت منح (الواد حكشة) صفة سفير مصر المتجول، ما هذا المنطق الذى يتعامل به بعض العاملين فى هيئة قضايا الدولة مع رموز مصر ورجالها المخلصين؟ وكيف تصل الأمور الى درجة تضطر معها الأسرة الى رفع دعوى قضائية من أجل إقامة تمثال للبطل يوسف صديق؟).
وعلى عكس ما ذهبت إليه جهة الإدارة وهيئة قضايا الدولة من إدعاءات منافية للحق والعدل، برزت مواقف وأصوات أخرى تناصر قضيتنا وتدحض الافتراءات التى ووجهنا بها من ذلك ما نشر من مذكرات الرئيس محمد نجيب (كلمتى للتاريخ) وخطاب الرئيس جمال عبد الناصر بمناسبة العيد العاشر للثورة، ومذكرات السيد عبد اللطيف البغدادى وكتاب الأستاذ خالد محيى الدين (والآن أتكلم) وكتابى قصة ثورة 23 يوليو الجزء الأول والجزء الثانى للأستاذ أحمد حمروش، هذا علاوة على ما كتب فى جريدة المصرى بتاريخ 1954/3/24 ومجلة روز اليوسف فى 1953/3/29 من أحاديث للمرحوم يوسف صديق بصفته عضوا بمجلس قيادة الثورة، كذلك مقالات الأستاذ/ محمد حسنين هيكل "بصراحة" فى جريدة الأهرام فى 28 يناير 1967 وكتابة "عبد الناصر والعالم" ص 207 - ص 208.
الى جانب العديد من مقالات كل من الأستاذ مصطفى أمين بجريدة الأخبار وصورة غلاف مجلة آخر ساعة فى 1983/7/20 وبها صورة لاجتماع مجلس قيادة الثورة بحضور يوسف صديق ونسخة من الهدية التذكارية التى قامت مجلة المصور بتوزيعها على القراء فى فبراير سنة 1953 وهى عبارة عن صورة لأعضاء مجلس قيادة الثورة ومنهم المرحوم يوسف صديق، كذلك قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة رقم 1719 لسنة 1963 بمنح معاشات استثنائى لأربعة من أعضاء مجلس قيدة الثورة منهم المرحوم يوسف صديق.
كل هذه المصادر تعتبر شهادة حية لها قيمتها الحاسمة فى ذلك النزاع والتى تقدمنا بها كسمتندات فى الدعوى القضائية.
ولعل الشهادة الكتابية التى تقدم بها المؤرخ العسكرى اللواء جمال حماد الى مدير إدارة المتاحف العسكرية من أهم هذه المستندات التى قدمت فى هذه الدعوى وسأورد نصها فى باب الوثائق الملحقة فى هذا الكتاب.
كذلك كان من أهم هذه المستندات الكتاب الذى ساقته إلينا الظروف والذى حصلنا عليه من المعرض الدولى للكتاب والذى تصدره وزارة الدفاع بجمهورية مصر العربية (الجيش المصرى من ثورة يوليو الى ثورة اليمن) الجزء الأول ضمن وثائق هذا الكتاب الوثيقة رقم (3) التى أوردت بيانا لأعضاء مجلس قيادة الثورة ومنهم أسم البكباشى يوسف صديق وأخيراً فقد أرتفعت كلمة الحق والعدل من جانب القضاء الشامخ ممثلا فى حكم محكمة القضاء الإدارى الذى صدر بتاريخ 1999/6/1 والذى وضع الأمر فى نصابه، وكلل كل الجهود التى بذلت فى سبيل إظهار الحق، سواء من جانبنا أو من جانب سائر الشرفاء الذين ساندوا حقنا بالنجاح، فقد قضت المحكمة بقبول الدعوى شكلا وفى الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار، وألزمت الجهة الإدارية المدعى عليها الاول والمدعى المصروفات مناصفة.
وقد جاء فى حيثيات الحكم التاريخى (من حيث أن الثابت من الأوراق أن العقيد أ.ح. يوسف صديق كان أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة ومن ثم فإنه يحق له إعمالا لمبدأ المساواة -الذى كفله الدستور- إقامة تمثال له أسوة بزملائه فى المتحف الحربى فى القاعة المخصصة لذلك، ويكون قرار الجهة الإدارية المطعون فيه برفض عمل تمثال لوالد المدعى العقيد أ.ح. يوسف منصور صديق قد جاء مخالفا لصحيح حكم القانون فاقدا لسببه الصحيح جديرا بالإلغاء مع يترتب على ذلك من آثار.
ومما يذكر أن هذا الحكم قد قضى على خلاف ما ذهب إليه تقرير مفوض الدولة المقدم لتلك المحكمة والذى كان قد انتهى -من خلال تسيبي جائر- الى طلب رفض الدعوى.
وكنا نظن أن صدور هذا الحكم سيكون خاتمة المطاف فى هذا العناء ولكننا فوجئنا بالحكومة وهيئة قضايا الدولة الممثلة لها تجنح مرة أخرى الى الكابرة والعناد وتقوم بالطعن أمام المحكمة الإدارية العليا فى حكم محكمة القضاء الإدارى، وتطلب إلغاء ذلك الحكم ورفض دعوانا -على أساس الزعم بأن هذا الحكم باطلا وخاطئا وذلك بالطبع على غير أساس من الصحة.
وأحيلت الدعوى مرة أخرى الى هيئة المفوضين فجاء تقريرها هذه المرة داعيا الى رفض الطعن والى تأييد الحكم الصادر لصالحنا.
وأخيرا فقد أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمها النهائى لصالحنا برفض طعن الحكومة وتأييد الحكم الصادر لصالحنا من محمة القضاء الإدارى.
ومرة أخرى فقد ظننا أن هذه نهاية المطاف لعنائنا، ولمكابرة الحكومة وهيئة قضايا الدولة ولددها فى هذه القضية، ولكننا مرة أخرى فوجئنا وفوجئ كل من تابع فصول هذه القضية الغريبة -بهيئة قضايا الدولة، وهى تقوم بالاستشكال فى تنفيذ الحكم، وذلك بهدف تعطيل تنفيذه، بل وقد عمدت فى ذلك الى التحايل والتلاعب بالقانون، إذ رفعت الاستشكال أمام محكمة مصر الجديدة الجزئية، وهى غير مختصة بنظر الاشكالات التى تقام فى أحكام مجلس الدولة، لذلك فقد أصدرت تلك المحكمة حكمها بعدم الاختصاص بنظر ذلك الإشكال، وبإحالته الى محكمة القضاء الإدارى وفقا لحكم القانون.
وقد صدر الحكم من محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة فى هذا الإشكال بتاريخ 2000/3/7 "قاضيا برفضه، وجاء فى حيثيات الحكم:
" إنه من الثابت أن مسلك الجهة الإدارية المستشكلة يفضج بجلاء عن سوء نيتها فى تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية التى لا ترتضيها دون مبرر مشروع وذلك باستغلال الطرق القنونية التى نص عليها المشروع فى غير الأغراض التى قصدها، وذلك بإقامة الإشكال أمام محكمة غير مختصة بنظره إهدار لطاقات القضاء والجهات المعاوزنة لهم واستهانة بمصالح وحقوق المواطنين، ومن ثم فإن المحكمة لا تملك إلا أن تقضى بالغرامة المنصوص عليها فى المادة 31 المشار إليها فى حدها الأقصى وذلك بتغريم المستشكلين بصفتهما مبلغ أربعمائة جنية". وبذلك أصبح الحكم واجب التنفيذ.
بعد هذا الحكم العادل توالت أقلام الشرفاء من الصحفيين بالكتابة فى الصحف المصرية بتعليقات الاستحسان والإكبار للقضاء المصرى الشامخ.. نورد بعضها هنا:
فى جريدة الوفد بتاريخ 20 مايو سنة 2000 كتب الأستاذ لمعى المطيعى مقالا بعنوان "يوسف صديق.. طبت حياً وتمثالاً".
 (يا كل أحباب القائد الجسور البكباشى يوسف صديق، لقد انتهت المأساة الإغريقية حول تمثال من كان ليلة الأربعاء 23 يوليو سنة 1952 "إعصارا هائجا لا يبقى ولا يذر" على حد تعبير محمد حسنين هيكل على صفحات مجلة آخر ساعة فى 27 أغسطس سنة 1952 فى مقالة "من هم ضباط محمد نجيب".
وفى جريدة الوفد أيضا كتبت د. سهير اسكندر بعنوان "حكم تاريخى.. للقضاء المصرى" فى حكم تاريخى لقضائنا الشامخ صدر عن مجلس الدولة مؤخرا الحكم بإقامة تمثال للقائمقام أ.ح. يوسف صديق بقاعة يوليو بالمتحف الحربى.
ومن المعروف أن يوسف صديق هو الذى اضطلع بالدور الرئيسى فى ليلة 23 يوليو سنة 1952 -أحتل رئاسة الجيش بكوبرى القبة وتمكن من القبض على قيادات (فاروق) المجتمعة هناك وسيطر على الموقف، وأنقذ الثورة التى كان قد اكتشف أمرها للقصر الملكى، ولم يكتف يوسف صديق بهذا العمل البطولى بل أضاف إليه شقا آخر لا يقل عنه نبلا وتجردا عندما أصر مع خالد محيى الدين على الأستقالة التى قدمها الى الرئيس محمد نجيب فى عام 1952 وورد فيها (أن لا أقبل أن أهدمك على أيديهم لما بينى وبينك من حب صادق ولا أقبل أن أهدم مصر على يديك لما بينى وبينها من عهد قديم لذلك أقدم أستقالتى).
هذا ومن المؤسف أن يصل إغماط الحقوق والاستهانه بالصدق التاريخى الى رفض تسجيل موقف يوسف صديق البارز ممثلا فى إقامة تمثال له أسوة بزملائه وأن يستمر هذا طوال عهدى عبد الناصر والسادات بالرغم من زمالة يوسف صديق لهما، لذا يقتضى الإنصاف أن نذكر أن هذه القضية ما كان لتعرض أصلا أو يمكن البت فيها من قبل.
وفى جريدة أخبار اليوم كتب الأستاذ فتحى سالم تحت عنوان "يوسف صديق يا سادة".
الحكم العادل المنصف الذى أصدرته محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة بإلزام المسئولين عن المتحف الحربى بالقلعة بوضع تمثال للعقيد يوسف صديق مع تماثيل أعضاء مجلس قيادة ثورة يوليو سنة 1952، باعتبار أنه كان عضوا فى المجلس ومن قادة الثورة، هذا الحكم يؤكد حاجتنا الشديدة الى الإسراع فى إعادة كتابة تاريخ مصر الحديث بالصدق والأمانة، وخاصة تاريخ ثورة يوليو، وهى المهمة التى يضطلع بها حاليا الدكتور يونان لبيب رزق والدكتور عبد العظيم رمضان والمؤرخ العسكرى القدير اللواء جمال حماد، لإمكان تعديل مناهج التاريج المدرسى، وأيضاً لكى تنشر مكتبة الأسرة التاريخ الصحيح فى إطار برنامج القراءة للجميع، لتتوافر المعلومات التاريخية الدقيقة لكل الأجيال لأول مرة بع سنين عديدة من التزييف وطمس الحقائق المتعلقة بثورة يوليو التى لم يعرف عنها إلا ما سمح عبد الناصر بنشره وتسجيلة.
يوسف صديق يا سادةيا كرام من تقل أعمارهم عن ال 55 سنة، هو الضباط الثائر الذى تحرك بكتيبته ليلة الثورة قبل ساعة الصفر المتفق عليها بساعة كاملة نتيجة خطأ فى تبليغة، فشاءت إدارة الله أن ينقذ الثورة من الإجهاض وقادتها من السحل والإعدام، حيث اقتحم واحتل مبنى رئاسة الجيش فى كوبرى القبة وقبض على رئيس الأركان وقادة الأسلحة الذين كانوا قد استدعوا للتو من منازلهم لتحريك باقى قوات الجيش -وهى الغالبية- لسحق ثورة الضباط الأحرار الصغار المجهولين وهم القلة.
"رحم الله يوسف صديق الذى أنقذ الثورة ليلة قيامها".
وأخيرا وبعد كل هذه السنين أمر المشير حسين طنطاوى القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع -تنفيذا لحكم المحكمة- بإعداد التمثال وفعلا تم تنفيذه وقام الفنان المثال عمرو خميس بتكليف من إدارة المتحف الحربى بعمله على أكمل وجه ليوضع فى القاعة المخصصة لذلك.
وقد نشرت جريدة الأهالى فى عددها بتاريخ 20 يونيه سنة 2002 خبرا عن هذا التمثال بنشر صورة يظهر فيها التمثال بينى وبين ولدى الطبيب يوسف صديق حيث أننا قمنا بزيارة المتحف الحربى وأخذنا بعض الصور لقاعة 23 يوليو والتى يظهر بها تسجيل بالصور للأقتحام الذى قام به والدى ليلة 23 يوليو والقبض على رئيس هيئة الأركان، كذلك صورة مكبرة للخطة التى رسمها والدى لاقتحام هذا المبنى وقد أوردت الجريدة رفق هذا الخبر نبذه عن تاريخ هذا البطل.
وقد حرصت على أن أرفق وثائق هذه الدعوى أمام المحاكم المختلفة بالفصل الثانى من هذا الكتاب كذلك المقالات التى نشرت بالصحف المصرية والتعليقات التى كتبت عن هذه القضية فى مراحلها المختلفة والتى تعكس رأى الصحافة والرأى العام المصرى.
وفى خاتمة هذا الكتاب أود أن أقص كيف تم هذا العمل.
بعد الحكم التاريخى العادل والنهائى بإلزام الجهات المختصة بالمتحف الحربى بإقامة التمثال لوالدى، أتصل بى شقيقى (اللواء حسين صديق) متهللا ومباركا وأخبرنى أن المسئولين عن المتحف الحربى بالقلعة إتصلوا به وأعلموه بأن المشير حسين طنطاوى وزير الدفاع قد أمر-تنفيذا لحكم المحكمة- بإعداد التمثال لوالدنا وأن إدارة المتحف قد كلفت الفنان الشاب عمرو خميس بإعداد هذا التمثال وأنه يطلب منا إحضار بعض الصور المختلفة للوالد لمساعدته بالقيام بهذا العمل، قابلت الفنان الشاب بالمتحف وأعطيته الصور وأخذنا نتحدث عن الثورة، فوجدته من الشباب الذى يرون أن الثورة رغم بعض إيجابياتها فإنه كان يكره ما فيها من سلبيات تتمثل فى كبت الحريات وإقامة المعتقلات والسجون وعدم إقامة ديمقراطية سليمة -رغم أن الديمقراطية كانت أحد مبادئ الثورة السادسة- وما ترتب عن ذلك من مظالم قاسى منها الشعب... إلخ.
قلت للمثال الشاب: سأهديك كتاب "أوراق يوسف اصديق" الذى صدر أخيرا، ولأنك ستقوم بعمل تمثال له، أود أن تعرف عنه الشئ الكثير لكى تدرس شخصيته المتعددة الجوانب كفارس وشاعر وأديب ومناضل، ولتعرف الكثير عن تفاصيل حياته وكفاحة من أجل الشعب المصرى هذا الكفاح الذى أمتد طوال سنوات حياته، ويبدو أن هذا الكتاب "أوراق يوسف صديق" قد قام بدور كبير فى إلهام هذا الفنان الشاب، فقد أحب هذه الشخصية المميزة الفريدة وظهر هذا الحب عندما ذهبت مع شقيقى حسين وشقيقتى ليلى لنرى التمثال لأول مرة بالمتحف قبل اللمسات الأخيرة -فقد كان تمثالا رائعا يكاد من شدة تماثله للواقع أن يتكلم وكدت من لهفتى أن أحتضنه لولا أنه كان مازال تحت التشطيب.
أنتهى بعد ذلك المثال الشاب من إكمال التمثال وذهبت أنا وولدى "الدكتور يوسف صديق" الحفيد- الى المتحف وأخذنا بعض الصور لنا مع التمثال، وقد ظهرت لنا صور فى جريدة الأهالى ومجلة نصف الدنيا، اهتماما من هذه الصحف بقضية التمثال وبمتابعة الرأى العام لهذه القضية.
اتصلت بعد ذلك بإدارة المتحف الحربى لأعرف متى سيوضع التمثال فى القاعة المخصصة لذلك بالمتحف، فأبلغنى المسئولون بأنه قد تم اتخاذ بتغيير جميع التماثيل الموجودة بالمتحف لأعضاء مجلس قيادة الثورة، لأنها بحالتها القديمة تبدو بجانب تمثال والدى الرائع بشكل غير مناسب لسوء حالتها الفنية حيث أنها بالمقارنة لتمثاله تظهر شديدة السوء -وإن ذلك سيحتاج لبعض الوقت للانتهاء من إعداد هذه القاعة.
وهكذا كان لوالدى رحمة الله الفضل فى أن يتم تطوير هذه القاعة وإعادة الهيبة والوقار الى تماثيل زملائه فى السلاح، رغم تنكرهم له ورغم ما عاناه فى حياته من آلام وجحود لدوره الشجاع وكفاحة المرير الى آخر أيام حياته.

التظلم

التظلم
 

صحيفة الدعوى

صحيفة الدعوى

مذكرة بدفاع المدعى

مذكرة بدفاع المدعى

 

حوافظ المستندات المقدمة من المدعى فى الدعوى

حافظة أولى مقدمة إلى محكمة القضاء الإدارى

حافظة ثانية مقدمة إلى دائرة المفوضين


حافظة ثالثة مقدمة إلى محكمة القضاء الإدارى


حافظة إضافية مقدمة إلى محكمة القضاء الإدارى

حافظة بالخطاب الموجه من اللواء جمال حماد
إلى مدير المتحف الحربى

رسالة من اللواء جمال حماد

السيد العميد محمد عبد الرحمن منتصر
مدير ادراة المتاحف العسكرية
       تحية طيبة وبعد,

إيماء الى محادثتكم الهاتفية معى يوم 1995/8/28 بشأن تظلم أسرة المرحوم العقيد أ.ح يوسف منصور صديق بسبب عدم وجود تمثال له فى جناح الثورة بالمتحف الحربى أسوة بباقى أعضاء مجلس قيادة الثورة والمطالبة بوضع تمثال له فى جناح الثورة أرجو أن أوضح لسيادتكم الحقائق التالية:
أولا: كانت الهيئة التأسيسية لتنظيم الضباط الأحرار بالقوات المسلحة قبل الثورة تتكون من 9 ضباط هم: مقدم أ.ح جمال عبد الناصر - مقدم طيار جمال سالم - مقدم طيار عبد اللطيف البغدادى - مقدم أنور السادات رائدا - أ.ح عبد الحكيم عامر - رائد أ.ح صلاح سالم - رائد أ.ح كمال الدين حسين - رائد طيار حسن ابراهيم - رائد خالد محيىى الدين.
وفى مساء يوم 27 يوليو 1952 أخطر عبد الناصر زملاءه بأن دور الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار قد انتهى وتبعا لذلك فأن أسمها سيصبح منذ ذلك الحين مجلس قيادة الثورة.
ونظراً لأن ثورة الجيش قد اقترنت منذ فجر 23 يوليو بأسم اللواء أ.ح محمد نجيب وصدر البيان الأول للثورة باسمه لذا كان أمرا محتما أن ينضم محمد نجيب الى مجلس قيادة الثورة بل ويصبح رئيسا له باجماع أعضائه التسعة.
ثانيا: فى 15 أغسطس 1952 انضم الى عضوية مجلس قيادة الثورة بصفة رسمية 4 ضباط بناء على اقتراح عبد الناصر نظرا للأدوار المهمة التى قاموا بها ليلة 23 يوليو 52 وكان هؤلاء الأربعة هم:
المقدم أ.ح يوسف صديق من سلاح المشاة والمقدم عبد المنعم أمين من سلاح المدفعية والمقدم أ.ح زكريا محيى الدين من سلاح المشاة والمقدم حسين الشافعى من سلاح الفرسان وبذالك أصبح عدد أعضاء مجلس الثورة 14 ضابطا.
ثالثا: منذ انضمام يوسف منصور صديق لمجلس الثورة فى 15 أغسطس 52 شعر بنوع من الجفاء وسوء المعاملة من زملائه من أعضاء المجلس نظرا لآرائه الصريحة ومناقشاته الجريئة التى كان يبديها فى أثناء عقد الجلسات فضلا عن اتجاهه اليسارى الذى لم يكن ينكره، وفى ليلة 15 / 16 يناير 1953 أصدر مجلس الثورة أمرا بأعتقال 35 ضابطا كان على رأسهم العقيد أ.ح محمد رشاد مهنا الوصى السابق على العرش الذى أعفى من منصبه يوم 14 أكتوبر 1952 وحددت أقامته فى بيته وكان معظم المقبوض عليهم من الضباط الأحرار من سلاح المدفعية الذين خرجوا ليلة 23 يوليو وأسهموا بقدر كبير فى نجاح الثورة وقد تم وضعهم فى سجن الأجانب وبدأت محاكمتهم فيما عرف باسم "قضية المدفعية" ونتيجة لاعتقال هذا العدد الكبير من الضباط الأحرار ووضعهم داخل السجن برتبهم العسكرية مما كان يعد سابقة لم تحدث فى الجيش من قبل لذا بادر يوسف منصور صديق بتقديم استقالته وأصر عليها معلنا "أن ضميره لا يسمح له بالبقاء فى مجلس يصدر قرارات باعتقال زملاء يعدهم شرفاء ولا يستحقون مثل هذه المعاملة".
وبذا تكون المدة التى أمضاها العقيد أ.ح يوسف صديق (تمت ترقيته الى رتبة العقيد بعد شهور من الثورة) عضوا بمجلس قيادة الثورة ما يزيد قليلا عن خمسة شهور.
رابعا: منذ انضمام عبد المنعم أمين الى مجلس قيادة الثورة مارس العديد من الأنشطة المتعلقة بتأمين الثورة واستقرارها فقد تم تعيينه رئيسا للمجلس العسكرى الذى تولى محاكمة المتهمين من عمال شركة مصر للغزل والنسيج الرفيع بكفر الدوار أثر حوادث الشغب والمصادمات مع الشرطة التى جرت يومى 12 و 13 أغسطس 52 وقد انتهت المحاكمات بإصدار المجلس العسكرى الحكم بالاعدام على اثنين من المتهمين هما العاملان مصطفى خميس ومحمد حسن البقرى كما أصدر أحكاما بالسجن بالأشغال الشاقة على باقى المتهمين وعددهم 11 عاملا.
ومن ذلك أسهم عبد المنعم أمين فى الجهود التى بذلت لايجاد صلات تعارف وتفاهم وثيقة بين مجلس قيادة الثورة والسفير الأمريكى وقتئذ "جيفرسون كافرى" وكبار أعضاء السفارة الأمريكية بمصر والتى كانت تستهدف تقوية الصلات والروابط بين مصر والولايات المتحدة أملا فى حمل الولايات المتحدة على معاونه مصر فى قضية جلاء القوات البريطانية عن منطقة قناة السويس والضغط على الحكومة البريطانية لتحقيق جلاء قواتها عن مصر.
وقد لعب عبد المنعم أمين دورا كبيرا فى هذه الجهود عن طريق المآدب التى كان يقيمها فى بيته المطل على النيل فى الجيزة والتى كان يحضرها السفير الأمريكى وكبار موظفى سفارته وأعضاء مجلس قيادة الثورة وعن طريق زياراته للسفير الأمريكى ولمستشار السفارة مما كان يعد حلتة اتصال بين مجلس قيادة الثورة والسفارة الأمريكية.
ونتيجة للنشاط الاجتماعى الذى كان يقوم به عبد المنعم أمين تعرض لحملة من الشائعات التى أطلقها ضده بعض ضباط المدفعية فضلا عن انتقادات حادة وجهها ضده بعض أعضاء مجلس الثورة وخاصة صلاح سالم وزكريا محيى الدين وقد علل عبد المنعم أمين هذه الحملات ضده بأنها من تدبير عبد الناصر للتخلص منه بسبب شعبيته فى سلاح المدفعية.
وفى النصف الأخير من يناير 52 وبعد اعتقال ضباط المدفعية قدم عبد المنعم أمين (الذى رقى الى رتبة العقيد بعد شهور من الثورة) استقالته من المجلس وعين فى أوائل عام 1954 سفير لمصر فى هولندا وعاد الى القاهرة فى مايو 1956 حيث تمت أحالته على التقاعد بناء على طلبه.
الخلاصـــــــة:
1- قام كل من العقيدين يوسف منصور صديق وعبد المنعم أمين بدور رئيسى ليلة 23 يوليو 1952 كان له أثر كبير فى نجاح الثورة، فى الوقت الذى لم يكن لبعض ضباط مجلس قيادة الثورة أى دور فى تلك الليلة مثل صلاح سالم الذى كان فى رفح وجمال سالم الذى كان فى العريش.
2- أمضى كل منهما ما يزيد قليلا عن خمسة شهور كأعضاء فى مجلس قيادة الثورة واشتركا فى كل القرارات التى صدرت خلال هذه الفترة.

الــــــرأى:
تقتضى العدالة ان يعامل كل من العقيدين يوسف منصور صديق وعبد المنعم أمين المعاملة نفسها التى عومل بها كل أعضاء مجلس قيادة الثورة فيما يتعلق بعمل تماثيل لهم ووضعها فى جناح الثورة بالمتحف الحربى وأرى أن من حقهما وضع تمثالين لهما فى جناح الثورة أسوة بباقى زملائهما فى المجلس.
وتفضلوا بقبول وافر الاحترام
القاهرة
1995/8/30
لواء أ.ح متقاعد
جمال الدين حماد
المؤرخ العسكرى

تقرير مفوض الدولة فى الدعوى

هيئة مفوض الدولة
محكمة القضاء الإدارى
دائرة منازعات الافراد والهيئات
تقرير
مفوض الدولة الدعوى رقم 28 .. لسنة 49ق
المقامة من 
حسين يوسف منصور صديق
ضد
1- وزير الدفاع والانتاج الحربى "بصفته"
2- وزير الثقافة "بصفته"
الوقائع والإجراءات
قام المدعى دعواه بإيداع صحيفتى قلك كتاب المحكمة 1995/9/17 طلب فى ختامها الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ القرار السلبى الصادر من المدعى عليه الأول بعد إقامة تمثال للمرحوم العقيد يوسف منصور صديق ضمن تماثيل أعضاء مجلس قيادة الثورة فى القاعة المخصصة لذلك بالمتحف الحربى وفى الموضوع الزام المدعى عليه الأول فى مواجهة المدى عليه الثانى بإقامة التمثال والزام المدعى عليه الأول بأن يدفع مبلغاً قدره الف جنية يومياً عن كل يوم ينقضى منذ تاريخ إقامة هذه الدعوى إلى يوم إقامة التمثال موضوع الدعوى كغرامة متجددة وكتعويض متجدد عما يلحق من ضرر متجدد من جراء امتناع أو تراخى المدعى عليه الأول عن إقامة التمثال مع الزام المدعى عليه الأول بالمصروفات ومقابل اتعاب المحاماة وقال المدعى شرحاً لدعواه انه نجل المرحوم العقيد يوسف منصور صديق أحد ضباط الأحرار والذى اضطلع بالدور الأساسى بواجبات قيادة  الثورة واصل نضاله دفاعاص عن حرية الشعب وقد وقع الخلاف بينه وبين غالبية أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين كانت لهم اتجاهات مغابرة ادت إلى قامة حكم ديكتاتورى عسكرى تمثل فى قرارات يناير 1953 التى بموجبها الغى دستور 1923 والغيت الأحزاب واعلنت فترة مدتها ثلاث سنوات بتولى فيها مجلس قيادة الثورة سلطة الحكم بتاريخ 16 يناير سنة 1953 تقدم والد المدعى باستقالته من مجلس قيادة الثورة وفى عام 1975 توفى والد المدعى وعلى الرغم من أن عضوية والد المدعى بمجلس قيادة الثورة فى الفترة من 23 يولية 1952 إلى 16 يناير 1953 يعرفها كل معاصر للثورة إلا أن المدعى لاحظ اثناء زيارته للمتحف الحربى الذى أقامته وزارة الدفاع أن القاعة المخصصة لثورة يوليو بالمتحف والتى احتت على تماثيل لأعضاء مجلس قيادة الثورة لم تشمل على تمثال المرحوم والده بل ان قائمة اسماء الضباط الأحرار المعروضه بتلك القائمة قد خلت من اسم والده وقد ابدى العديد من الكتاب دهشتهم من هذا المسك من جانب وزارة الدفاع مما دعى بالمدعى إلى التظلم من هذا التاريخ 1995/6/25 الا أن المدعى عليه الأول امتنع عن تصحيح هذا الخطأ.
فلما كان هذا القرار السلبى يلحق ضرارا معنويا بالمدعى وبكل افراد اسرته لان هذا القرار يسئ إلى ذكرى والده والانتقاص من دوره الوطنى ولذلك اقام دعواه الماثلة اختصم فيها وزير الثقافة لكونه يمثل الجهة المنوط بها تنفيذ هذا التمثال.
واختم المدعى صيغة دعواه بالطلبات آنفة الذكر وقد نظرت المحكمة الشق العاجل من الدعوى بجلسة 1995/11/9 حيث قدم الحاضر عن المدعى حافظة المستندات ومذكرة دفاع وبذات الجلسة قررت المحكمة احالة الدعوى إلى هيئة مفوض الدولة لتحضيرها وإيداع تقرير بالرأى القانونى فى شقيها.
وبناء عليه وردت الدعوى إلى هيئة بمفوض الدولة حيث جرى تحضيرها على النحو الثابت بمحاضرة جلستها وبجلسة 1996/8/28 قدم الحاضر عن المدعى حافظة مستندات وقدم الحاضر عن الدولة حافظة مستندات ودفع بعدم قبول الدعوى لانتقاء القرار الإدارى وبذات الجلسة تقرر حجز الدعوى للتقرير.

الرأى القانونى

من حيث أن المدعى يطلب الحكم بقبول الدعوى شكلاً وبوقف تنفيذ والغاء القرار السلبى بامتناع وزارة الدفاع عن إقامة تمثال لوالده العقيد يوسف منصور صديق وما يترتب من آثار وتعويضه عن الضرر الادمى الذى لحق به مع الزام الجهة الإدارية المصروفات.
من حيث أنه طبقاً لحكم المادة 10 من قانون مجلس الدولة الصادرة بالقانون رقم 47 لسنة 1972 لا يكون ثمة قرار أدارى سلبى بالامتناع الا عند رفض السلطات الإدارية اتخاذ قرار أو امتناع عن اتخاذ قرار رغم أنه كان من الواجب عليها اتخاذه وفقا للقوانين واللوائح.
- حكم المحكمة الإدارية العليا فى الطعن رقم 1383 لسنة 31 من جلسة 1986/1/18.
ومن حيث ان الثابت من وثيقة الاعلان الدستورى الصادر من مجلس قيادة الثورة فى 18 يونية 1953 بالغاء النظام الملكى واعلان الجمهورية عدم وجود توقيع والد المدعى العقيد يوسف منصور صديق من بين توقيعات اعضاء مجلس قيادة الثورة الاثنى عشر عضواً على هذا الاعلان ولذلك لا يعد والد المدعى من بين قادة ثورة يوليو وبالتالى لا يوجد ثمة الزام على وزارة الدفاع باقامة تمثال لوالد المدعى ضمن تماثيل مجلس قيادة الثورة فى القاعة المخصصة لذلك بالمتحف الحربى ومن ثم ينتقى القرار الادارى السلبى المطعون فيه وهو ما يتعين معه الحكم قبول الدعوى لانتقاء القرار الادارى والزام المدعى المصروفات وفقا لحكم المادة 184 من قانون المرافعات.

لهذه الأسباب

نرى الحكم بعدم قبول الدعوى لانتقاء القرار الادارى المطعون فيه والزام المدعى بالمصروفات.

 المقرر                                  مفوض الدولة
ناصر سعد

مذكرة ثانية بدفاع المدعى

مذكرة ثانية بدفاع المدعى

حكم محكمة القضاء الإدارى فى الدعوى

 حكم محكمة القضاء الإدارى فى الدعوى 


يوسف صديق.. الفارس الغائب

بقلم بهيجة حسين
جريدة الأهالى 1995/7/26

فارس حمل روحه على كفه وأطلق الرصاصات الوحيدة التى أطلقت فى ليلة 23 يوليو عام 1952 كان يحمل يقينا بتحقيق حلمه بوطن أكثر جمالا وانسانية وعدلا وحرية لنا ولأجيال لم تولد بعد.
بحثت عن الفارس الزميلة بهيجة حسين فلم تجد تمثاله مع تماثيل أعضاء مجلس قيادة الثورة فى المتحف الحربى بالقلعة وكان السؤال الذى ظل بدون أجابة.. أين تمثال يوسف صديق عضو مجلس قيادة الثورة؟!!
نعم غاب تمثال يوسف صديق عن تماثيل رفاقه فى المتحف الحربى ولكن الفرسان والنبلاء لا يغيبون، لم نر يوسف صديق نحن أبناء الجيل الذى ولد مع ثورة يوليو ولكننا قرأنا أن فى الوطن رجالا ومنه تعلمنا كيف يكون تصرف الرجل.
كان كثيرون من أبناء الجيل الذى قامت الثورة من أجله فى معتقلات للسادات عام 1975 وكان أحد المعتقلين محمد ابن يوسف صديق وبعد أعتقاله آثار البعض على يوسف صديق أن يقدم التماسا للسادات للافراج عن ابنه فكان رده حاسما بالرفض، وقال: ومن يقدم التماسا للافراج عن باقى الشباب، لقد اعتقل ابنى معهم وسوف يخرج معهم.

رصاص الثورة

تحرك البكباشى يوسف صديق مساء يوم الأربعاء الموافق 23 يولية سنة 1952 بقواته من الهايكستب الى مبنى رئاسة الجيش بكوبرى القبة وكان أحد الضباط الأحرار قد كشف سر الثورة، وكان رئيس أركان حرب الجيش يعقد اجتماعا فى رئاسة الجيش لأصدار أوامره لمقاومة الحركة فأسرع يوسف صديق الى مقر الاجتماع على الفور وهاجم القيادة وقبض على رئيس اركان حرب الجيش وعلى معظم القواد الذين كانوا فى طريقهم اليه وكذلك ألقى القبض على القوات التى أرسلت لتعزيز الحراسة على رئاسة الجيش فقضى بذلك على المقاومة وأصبح للضباط الأحرار الأمر فى البلاد، وكانت رصاصات يوسف صديق هى الرصاصات الوحيدة التى أطلقتها ثورة 23 يوليو، حيث حاول رئيس أركان الجيش المقاومة فأطلق نيرانه على قوات يوسف صديق فردت قواته على نيران الحرس بنيران حامية وقتل اثنان من الحرس وأصيب ثالث، وكان دور البكباشى يوسف صديق دورا حاسما لنجاح الثورة، وهو الذى قال عنه محمد حسنين هيكل عملاق طويل عريض لفحته الشمس فى معسكرات الجيش فجعلته أشبه ما يكون بتمثال من البرونز لفارس محارب مدرع من القرون الوسطى دبت فيه الحياة.
هذا هو يوسف صديق الذى يقول عنه لواء عام القوات المصرية الفلسطينية فى رسالته المرسلة من رئاسة القوات المصرية بفلسطين من الجدل فى 1948/7/25 الى قائد اللواء الثانى مشاه لقد لاحظت الملاحظات الآتية التى أريد أن تنال عناية عزتكم: كتيبة البنادق السابعة المشاه كتيبة "يوسف صديق" انى اعتبر المواقع الدفاعية لهذه الكتيبة مثالا يحتذى به وتوزيعها ينطبق تماما على أصول التكتيك الأمر الذى يجعلنى أسجل شكرى لقائدها وأتعشم أن يحاول جميع القادة الوصول بكتائبهم الى هذا المستوى.

معركة الديمقراطية

كان وهو يحمل روحه على كفه متقدما نحو تحقيق حلمه من أجلنا يرى الحلم واضحا ويرى أنه لن يتحقق بدون الديمقراطية وكان موقفه وكانت معركته الأولى من أجل الديمقراطية وليست الأخيرة وسجل فى مذكراته كان طبيعيا أن أكون عضواً فى مجلس قيادة الثورة وبقيت كذلك حتى أعلنت الثورة أنها ستجرى الانتخابات فى شهر فبراير سنة 1953، غير أن مجلس قيادة الثورة بدأ بعد ذلك يتجاهل هذه الأهداف، فحاولت أكثر من مرة أن أترك المجلس وأعود الى صفوف الجيش فلم يسمح لى بذلك حتى ثار فريق من الضباط الأحرار على مجلس قيادة الثورة يتزعمه اليوزباشى محسن عبد الخالق فأيدت الثأئرين، فأبعدت الى أسوان سنة 1953، وكان مجلس قيادة الثورة قد خدعه مستشاروه المضللون فما هل شهر فبراير 1953 الذى كان محدداً لعودة الحياة النيابية الا وكان مجلس قيادة الثورة قد اعتقل الضباط الثائرون وحاكمهم وسجنهم، وأصبح واضحا أن الثورة قد أنحرفت، واتصلت بالبكباشى جمال عبد الناصر تليفونيا من أسوان وطلبت منه أن يعتبرنى مستقيلا.
لقد كان يوسف صديق مدافعا عن الديمقراطية وعودة الحياة النيابية، والتعددية الحزبية ويؤكد على موقفه الأصيل من الديمقراطية عندما وقعت فى مصر أزمة مارس عام 1954 عندما نادى المحامون والطلاب بحل مجلس قيادة الثورة، وبالحياة النيابية، وأكد فريق من الجيش يتمثل فى سلاح الفرسان على هذا الموقف ووقف خالد محيى الدين يدافع عن الديمقراطية، وتأتى رسالة البكباشى يوسف صديق الى اللواء محمد نجيب بصفته رئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس مجلس الوزراء والحاكم العسكرى العام آنذاك، تأكيداً على موقفه فيقول فى رسالته، فلا شك أنكم تقدرون مدى المسئولية التى أتحملها معكم أمام التاريخ عن مصير هذه البلاد. نتيجة للعمل الايجابى لعنيف الذى قمت به فى يوم 23 يوليو سنة 1952، والذى لا أستطيع أن أفلت من مسئوليته حتى بعد استقالتى من مجلس قيادة الثورة فى فبراير سنة 1953، وبالرجوع الى التاريخ الذى علمناه من يوم 23 يوليو سنة 1952 الى أن وصلنا لهذه الحالة. نلمس أنه بعد طرد فاروق من البلاد فى 26 يوليو سنة 1952، بدأ مجلس قيادة الثورة مناقشة الخطوة التالية التى كانت تتلخص فى هذا السؤال "لمن الحكم؟" وكان هناك رأيان فى الجواب عن هذا السؤال، أما أحدهما فكان يرى دعوة البرلمان المنحل ليباشر سلطته الشرعية، وأما الآخر فقال بعدم دستورية هذا الحل ورأى أن تذهب مذهبا آخر، استقر الرأى على أستفتاء قسم الرأى بمجلس الدولة مجتمعا لهدايتنا الى التصرف الدستورى السليم فأفتى بأغلبية تسعة أصوات ضد صوت واحد بعدم دستورية دعوة البرلمان، الصوت الواحد للدكتور وحيد رأفت، سرنا على هدى هذه الفتوى ووصلنا الى الحالة السيئة الراهنة وتبين لنا أننا ضللنا الطريق، بعد أن تبين لنا بوضوح أننا قد ضللنا الطريق، فلا يكون هناك تصحيح للوضع سوى أن نعود الى حيث نجد أن علاج الموقف ينحصر فى أحد حلين لا ثالث لهما، دعوة البرلمان المنحل ليتولى حقوقه الشرعية أو تأليف وزارة ائتلافية تمثل القيادات الساسية المختلفة القائمة فعلا فى البلاد، وهى الوفد والاخوان المسلمون والاشتراكيون والشيوعيون تشرف على أجراء انتخابات للبرلمان فى أسرع فرصة حتى تختار البلاد حكامها الشرعيين ويعود الجيش الى ثكناته واقترح أن يكون رئيس الوزارة المقترحة هو الدكتور وحيد رأفت الذى اكتسبه الحوادث التاريخية هذا الحق فلا تكون الرياسة محلا للخلاف.
والبكباشى يوسف صديق وهو الذى قال فى خطبة لضباطه "أن الروح المعنوية هى أمضى أسلحة القتال والجندى لا يمكن أن يكون ذا روح معنوية عالية الا اذا كان مقتنعا بالهدف، والهدف لا يثبت بعقل الجندى وروحه الا بالنقاش الحر والفكر المفتوح الذى تسود فيه الديمقراطية وحرية الرأى.
ودفع ثمن دفاعه عن الديمقراطية غاليا ففى عام 1953 أبعد عن مصر بتسفيره الى سويسرا بدعوى العلاج وعاد منها سراً الى بلدته زاوية المصلوب مركز الواسطى محافظة بنى سويف وبعد رسالته الى محمد نجيب فى أزمة مارس اعتقل فى أبريل عام 1954 بالسجن الحربى واعتقلت زوجته، وأفرج عنه فى مايو 1955 وظلت اقامته محددة حتى أكتوبر عام 1956 وعندما وقعت مؤامرة العدوان الثلاثى ارتدى ملابس الميدان وقدم نفسه للدفاع عن تراب وطنه الذى لا يتوانى لحظة فى الدفاع عنه والبذل من أجله فهو يوسف صديق الذى أصيب بنزيف فى الرئة ليلة ثورة يوليو وحاول عبد الناصر منعه من الخروج حتى لا تسوء حالته الا أنه رفض وأصر على الخروج ليؤدى دوره وواجبه تجاه وطنه.

يوسف صديق شاعرا

أنا من بلاد رواها النيل فى كرم وفى وفاء كساها اجمل الحلل.
التحم المقاتل بالشاعر فكان يوسف صديق الفارس مقاتلا وشاعراً.
فهو القائل:
إنا وهبنا للجهاد نفوسنــــــا
لا نبتغى رتبا ولا أطماعــــــا
والمؤمنون المخلصـــون يزيدهم
ظلم الحوادث شدة وصراعـا
ومنه نتعلم من مواقفه ومن شعره.
عندما قال:
عار الوظيفة أن نضام بها اذا
كنا الرجال ولم نكن أتباعـــا
ونفرس أهل الحق تأبى حـرة
وعزيزة أن تشترى وتباعـــــا
ولا ينسى يوسف صديق وقود الحروب فمن أجلهم خرج على رأس  قواته ومن أجلهم حارب من أجل الديمقراطية ومن أجلهم أمن بالاشتراكية وأخيراً يقدم لهم اهداء كتابه -الاسلام والمسلمون فى الاتحاد السوفييتى "الى أرواح الذين سقطوا فى المعارك ليزيدوا من أرباح تجار الحروب".
من يمكن أن يرد جزءا مما قدمه لنا يوسف صديق؟ نعرف أنه لم يكن ينتظر جزاء الا يعد عدم وجود تمثاله فى المتحف الحربى أعتداء عليه بل وعلينا نحن أيضاً؟
فمن حقنا أن نعرف من هم صناع تاريخ هذا الوطن ومن هم فرسانه؟